أزمة حضارية شرعية

بنات الشوارع

بقلم : د . محمد بن رزق بن طرهوني

بالأمس استوقفتني ابنتي _ التي لا تعرف اللعب في الشوارع _ بل لا يعرفه أحد من إخوانها الذكور _ وفي يدها قصاصة من مقال للأخ محمد الفايدي بجريدة المدينة بتاريخ الثلاثاء

 26  / 1/ 1421 هـ زاوية شيء من حتى . وقد أثار المقال حفيظتها وتطلب مني الرد عليه من جانب معين فإذا بالمقال يثير في نفسي جانبا آخر هو أهم بكثير من الجانب الأول إلا أنه لا يمنع من الجمع بينهما .

لست من المهتمين بالردود ولا أشجع على هذا التوجه لأن الرد لن يخرج عن حالين :

الأولى : أن يطوى فلا ينشر لأنه قاس وفيه تهجم ، ولا قيمة لقسوة وتهجم صاحب المقال الأصلي على الدين والأخلاق والقيم والأعراف .

الثانية : أن ينشر جزء منه مبتور لا يفي بالغرض ، ولو فرضنا أن ينشر كله فماذا عمل صاحبه وهو صوت ضد مئات الأصوات تنادي بتأييد الصوت الآخر وتفتح له الأبواب للنشر وما ذلك إلا لقلة أنصار الحق وكثرة دعاة الباطل قال تعالى : ]وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح : الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة .

فأين الرواحل ؟

ذهب الذين يعاش في أكنافهم     وبقيت في خلف كجلد الأجرب

وعليه فلو ذهب الراد يرد على كل مستنكر لاحتاج لمئات المقالات يوميا والعمر لا يفي له بذلك إن وفى له الناشرون .

والحل الأمثل أن يحصل انتقاء للأقلام التي تكتب في الصحف وغيرها وبالأخص أصحاب الأعمدة أو الذين يكتبون بصفة دورية ، فإن لم يتيسر الانتقاء فلا أقل من النظر الجاد فيما يخرج من أفواههم ويسطره بنانهم .

نعود لموضوعنا واستجابة لطلب ابنتي الغيورة على دينها ولعظم منزلة المرأة عندنا نحن الملتحين _ إلا أننا لا نعطيها مكانة أكثر مما أعطاها خالقها ومولاها _ رأيت أن أرد في فقرات محددة لعلها تفي بالمقصود لما أعلمه من حرص جريدتنا الغراء على قصر المقالات فأقول وبالله التوفيق :

إن لعب البنت في الشارع قضية خطيرة بل طعنة نافذة في الدين والحضارة وليست لافتة المستشفى المنعي عليها في المقال إن سلمنا بالجرم الخطير الذي فيها بشيء جوارها وكما قال صلى الله عليه وسلم : " يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه" . هذا إن كان ثمة قذاة !

إن إهمال التربية أمر جر علينا ويلات فالمستشفيات قد امتلأت بحوادث أطفال الشارع ، وجرائم الاغتصاب المتلاحقة غصت بها أقسام الشرطة من جراء بنات وأبناء الشوارع .

إننا نفقد الأم التي إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق ونبحث عنها بمجهر ، لأن البنت التي يصونها والداها ويحرصان على تربيتها أشد الحرص وينظران في خلطتها وفي مدخلها ومخرجها قد لا تأتي كما نرجو فكيف ببنت الشارع التي تلعب فيه حافية القدمين وياليته شارع ممهد للعب بل شارع به قطع زجاج نافذة الجرح .

إن مكان اللعب للمتحضرين من الذكور فضلا عن الإناث إما في ملعب معد لذلك أو ناد مأمون أو حديقة منزل أو فناء مدرسة ثم بقية الوقت يقضيه المتحضر في القراءة والاطلاع والعب من الثقافات النافعة أو في الإكثار من الحسنات والطاعات من فعل أعمال البر الكثيرة التي قد هجرت ولم نرب عليها أبناءنا وتركنا لهم تربية الشوارع .

لا مشاحة في الاصطلاحات وليست العبرة بالأسماء ولكن العبرة بالمسميات فقد يسمي الرجل المرأة سيدة مجتمع ليهوي بها في مستنقعات العري والتفسخ ليسعد هو بغيرها ، وقد يعطي الرجل امرأته منزلة وهمية من حيث الاسم وهي في الحقيقة خدعة براقة ليستجلب غيرها وهلم جرا .

لقد ذكرني المقال بحال كثيرين ممن ظن أن التمدن في لبس البنطلون والبرنيطة وإمساك الغليون ممن بهرتهم الحضارة المزعومة للقرن العشرين أول مافتحت أعينهم عليها وآلمهم تمسك وانضباط أصحاب القرون الوسطى _ آسف أقصد الأولى _ المفضلة ، فإن أصحاب الوسطى قد تحضروا زيادة عن اللازم . أعني بالطبع وسطى المسلمين لأننا مسلمون .

ليس من شيمة الرجال الانكسار والاعتراف بالضعف وعدم القدرة على مجابهة الآخرين فلا أعرف شجاعا يعترف على نفسه بأنه إذا أهوى عليه غريمه بيده جعله طريح السرير الأبيض .

اللحية علامة خلقها الله في الرجل ليميزه عن المرأة فليست عيبا مشينا لنركز عليها في وصف صاحبها بل هي سمة رجولة وسمة صلاح وبراءة من الفسق الظاهر يسعد بها صاحبها ويشقى غيره بدونها ومعلوم أن خير الخلق كان ذا لحية وكذا سائر الأنبياء وبها أمر الشارع وحالقها عاص ولو جادل ، وليس الأمر كما قيل : عنز وإن طارت .

لا أدرى كيف يكون الاحتجاج صامتا بعد تحويل قسم الطوارئ في المستشفى كما ذكر صاحب الاحتجاج الصامت إلى حالة من الهياج والصراخ ؟ أهكذا يفعل الإنسان المتحضر ؟ المكان المذكور لابد فيه من توفر الهدوء والراحة والحرص على مصلحة المرضى لا الهمجية البربرية لأجل لوحة مكتوبة لم يفهمها القارئ لقلة علمه .

لوحة عليها كلمة الحريم رأى فيها صاحبنا كل شيء . إذا ماذا يرى في الكلمات الكفرية والألفاظ الشركية والكلمات الفسقية والقذع والسباب ؟

لست أظن أن كلمة الحريم أصعب من كلمة الخناشير الرجال التي نشرت في جريدة لها منزلتها بقلم الأخ الفايدي وطبع منها مئات الألوف من النسخ ، ولأنني أعتبر نفسي مازلت من الجهلة في اللغة فلن أعترض عليها حتى يشرح لي معناها أخونا المذكور وينظر لي هل هي من كلمات القرون الأولى أم الوسطى أم الأخيرة !

ولست أعلم في اللغة إلا الخناسير بالسين المهملة وهم الهلاك أو الدواهي أو الغدر واللؤم فإن كان هذا فتلك مصيبة وإن كان تلك فالمصيبة أعظم .

أما الحريم فما أجمله من اسم يجعل للمرأة منزلة عظيمة تصونها عن التعرض لها وابتذالها كما في حضارة القرن العشرين عند التالفين ، والحريم كما في لسان العرب ماحرم فلم يمس فكذلك المرأة تصان عن غير محارمها فلا تمس من غيرهم ولاحظ كلمة محارمها فهي من نفس المادة ، والحرمة مالا يحل لك انتهاكه ومنه حرمة الكعبة وحرمة الشهر الحرام . والحرمة أيضا المهابة فالمرأة لها مهابة ومنزلة عالية . وحرمة الرجل حرمه وأهله ، وحرم الرجل وحريمه : مايقاتل عنه ويحميه . والحريمة : مافات من كل مطموع فيه . والحريم الصديق يقال فلان حريم صريح أي صديق خالص .

فانظر هداك الله إلى جمال هذه الكلمة وعظم معناها ولو غيرتها المستشفى لصياحك وهياجك للحقت بركب الهمج والرعاع وإنما المظنون بها وبها مثقفون من أطباء ملتحين وغيرهم أن تسأل العلماء فإنما شفاء العي السؤال .

أما جهلة المستشفى الأخرى الذين وعدوا بتغيير كلمة النسوان فهم ومن كره كلمة النسوان بين أمرين أحلاهما مر : الأول : الجهل وهذا المظنون بهم لأنهم مسلمون . والثاني : الكفر المخرج من الملة إذا كانوا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق هذه اللفظة على النساء ومما ورد في ذلك مارواه الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء أن رسول الله صل الله عيه وسلم أتى النساء فقال : يامعشر النسوان تصدقن الصدق خير لكن .

ومارواه الحميدي وغيره عن سبرة بن معبد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنا كنا قد أذنا لكم في هذه المتعة فمن كان عنده من هذه النسوان شيء فليرسله فإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا .

وقال في لسان العرب : النسوة والنسوة بالكسر والضم والنساء والنسوان والنسوان جمع المرأة من غير لفظه

وروى الدارمي عن ابن مسعود قال : من أراد أن يكرم دينه فلايدخل على السلطان ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أصحاب الأهواء .

ويقول ابن القيم في وصف نساء الجنة :

حور حسان قد كملن خلائقا ومحاسنا من أجمل النسوان

فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك ياأخا العرفان

وهذا كثير في كلام السلف الصالح وأهل العلم فضلا عمن سبقهم من العرب

ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم بهذه اللفظة النبي صلى الله عليه وسلم فما الغضاضة في لغة القرآن ولغة أهل الجنة ؟

وأخيرا الجسم الضخم خلقة الله وهو منحة ربانية قد تكون مؤهلا قياديا لصاحبها لاسيما إذا كان ذا دين وقد قال تعالى في رد نبي اليهود عليهم عندما اعترضوا على طالوت : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم .

نسأل الله إن لم يكن منحنا بسطة الجسم أن يمنحنا بسطة العلم حتى لا نهلك ولا نهلك والسلام .

mohtarhuni@hotmail.com